محمد حسين هيكل

298

حياة محمد ( ص )

محاربة البلشفية ولسنا نضرب المثل لذلك بما كان حين محاربة تجارة الرقيق ، وإن آمن الذين كانوا يقومون بهذه التجارة بأنها غير محرّمة . لا نضرب هذا المثل حتى لا يقال : إننا لا نستنكر هذه التجارة وإن كان الإسلام لم يدع إلى أكثر من محاربة ما يستنكر . لكن أوروبا اليوم ، أوروبا صاحبة الحضارة الحاكمة تؤيدها أمريكا وتعزّزها قوّات الجنوب في آسيا والشرق الأقصى منها ، قد حاربت البلشفية ، وهي مستعدّة لمحاربتها أشدّ الحرب . ونحن في مصر مستعدّون للاشتراك مع الحضارة الحاكمة لمحاربة البلشفية . والبلشفية ليست مع ذلك إلا رأيا في الاقتصاد يحارب الرأي الذي تدين به الحضارة الحاكمة اليوم . أفتكون دعوة الإسلام إلى محاربة المشركين الذين ينقضون عهد اللّه من بعد ميثاقه دعوة وحشيّة إلى التعصب وضدّ الحرية ، وتكون الدعوة إلى محاربة البلشفية الهادمة للنظام الاجتماعي في الحضارة الحاكمة دعوة إلى الحرية في العقيدة والرأي وإلى احترامها . محاربة محلات العري ثم إن قوما رأوا في غير بلد من بلاد أوروبا أن التهذيب النفسي يجب أن يتصل به التهذيب الجسمي ، وأن ما تواضع الناس عليه من ستر الجسم كله أو بعض أعضائه أشد إثارة للمعاني الجنسية في النفس ، وأشد لذلك إفسادا للخلق من أن يسير الناس وكلهم عريان . وبدأ أصحاب هذا الرأي ينفذونه وأقاموا محلّات العري في بعض المدن ، وأقاموا أماكن يغشاها من شاء للتدرّب على هذا التهذيب الجسمي . لكن هذا الرأي ما بدأ ينتشر حتى رأى القائمون بالأمر في كثير من البلاد أن في انتشار مظاهره إفسادا للتهذيب الخلقي يضر بالجماعة ؛ فحرموا « محلّات العري » وحاربوا القائمين بالرأي ، ونهوا بالقانون عن إنشاء أماكن هذا التهذيب الجسميّ . وما نشك في أن هذا الرأي ، لو انتشر في أمة بأسرها لكان سببا لإعلان الحرب عليها من أمم أخرى على أنه مفسدة للحياة المعنوية في الإنسان ، كما أثيرت حروب بسبب الرقيق ، وكما تثار حروب أو ما يشبهها بسبب تجارة الرقيق الأبيض وبسبب الاتجار بالمخدّرات . لماذا ذلك كله ؟ لأن حرّية الرأي على إطلاقها يمكن أن تحتمل ما بقيت حبيسة في حدود القول الذي لا يتصل منه بالجماعة ضرّ أو أذى . فإذا أوشك هذا الرأي أن يثير في الجماعة الإنسانية الفساد فقد وجبت محاربة هذه الثائرات ووجبت محاربة مظاهر الرأي جميعا ، بل وجبت محاربة الرأي نفسه ، وإن اختلفت مظاهر هذه الحرب بمقدار ما يترتب على هذه المظاهر من فساد في الجماعة يخشى منه على قوامها الخلقيّ أو الاجتماعي أو الاقتصادي . التشريع قمع لحرية الرأي له ما يسوغه هذه هي الحقيقة الاجتماعية المعترف بها والمقرّرة لدى الحضارة الحاكمة اليوم . ولو أردنا أن نستقصي مظاهر ذلك وآثاره في مختلف الشعوب لطال بنا البحث ، وليس هاهنا موضعه . على أنك تستطيع أن تقول إن كل تشريع يراد به قمع أية حركة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية إنما هو حرب للرأي الذي تصدر عنه هذه الحركة . وهذه الحرب تجد ما يسوّدها في مبلغ ما يصيب الجماعة الإنسانية من ضرر إذا نفّذت الآراء تشبّ الحرب عليها . فإذا أردنا أن نقدر دعوة الإسلام إلى مقاتلة الشرك وأهله وحربهم حتى يذعنوا ، وهل هذه الحرب مسوّغة أو غير مسوّغة ، وجب أن ننظر فيما تمثّله فكرة الشرك هذه وما تدعو إليه . فإن اتفقت الكلمة على فادح ضررها بالجماعة الإنسانية في مختلف عصورها كان لإعلان الإسلام الحرب عليها ما يسوّغه بل ما يوجبه . والشرك الذي كان موجودا حين قيام محمد عليه السلام بالدعوة إلى دين اللّه الحق لم يكن يمثّل عبادة